📅 الثلاثاء، 27 سبتمبر 2026 ☀️ القاهرة 28° مئوية الذهب عيار 21: 3,600 ج.م الدولار: 48.60 ج.م
عاجل

مشاركة مصر في حرب اليمن وتداعيات الذاكرة التاريخية على القرار الاستراتيجي

قراءة في تعقيدات الملف اليمني

تظل قضية مشاركة مصر في حرب اليمن واحدة من أكثر الملفات جدلاً في الدوائر السياسية والاستراتيجية، ليس فقط بسبب تعقيدات المشهد الإقليمي الراهن، بل نتيجة لاستحضار الذاكرة التاريخية المليئة بالدروس القاسية. فعلى مدار العقود الماضية، ظلت حرب الستينيات تشكل هاجساً في العقل الجمعي المصري، حيث استُنزفت موارد البلاد وقدراتها العسكرية في مواجهة داخلية أثرت على أجيال كاملة من الأسر المصرية التي فقدت أبناءها أو عانت من تبعات الإصابات التي غيرت مسار حياتهم.

إرث التاريخ وتحديات الحاضر

عند النظر إلى المشهد الحالي، يرى المراقبون أن القيادة المصرية الحالية انتهجت سياسة تتسم بالحذر الشديد، مدركةً أن أي انخراط عسكري مباشر قد يفتح أبواباً لا تملك مفاتيح غلقها. لقد كان درس حرب اليمن في عام 1963 كافياً لجعل صانع القرار يضع الأمن القومي المصري في أولوية قصوى، مفضلاً الحفاظ على الجاهزية العسكرية لحماية الحدود والداخل المصري بدلاً من الانخراط في صراعات بالوكالة قد تخدم أجندات قوى دولية تسعى لإعادة هندسة المنطقة على حساب استقرار الدول العربية الكبرى.

جدلية الرد الجميل وتوازن المصالح

تطرح التساؤلات حول طبيعة العلاقات مع المملكة العربية السعودية، خاصة في ظل الدعم الاقتصادي المتبادل، إشكالية أخلاقية واستراتيجية. يتساءل الكثيرون: هل يُرد الجميل الاقتصادي عبر الدماء؟ أم أن الحكمة تقتضي أن يكون التعاون في مسارات التنمية والاقتصاد والاستقرار السياسي بدلاً من التورط في نزاعات عسكرية قد لا تنتهي بانتصار حاسم. إن الحفاظ على المسافة الآمنة من صراعات الحوثيين والتوترات الحدودية ليس ضعفاً، بل هو عين الحكمة السياسية التي تدرك أن القوة العسكرية المصرية يجب أن تُصان للحظات التهديد المباشر.

مخاطر الانزلاق إلى مستنقع النزاعات

يخشى الكثير من الخبراء من أن تؤدي الضغوط الدولية لجر مصر إلى حرب ليست طرفاً فيها. إن أي تغير في قواعد الاشتباك، سواء كان بدافع الدفاع عن الحلفاء أو نتيجة استفزازات مباشرة، يضع الجيش المصري أمام تحدي حقيقي. فالخبرة التاريخية علمت المصريين أن التدخل في شؤون اليمن الداخلية هو مغامرة غير محسوبة العواقب. لذا، فإن الإصرار على النهج الدفاعي بدلاً من الهجومي هو محاولة للتمسك بالسيادة بعيداً عن “فخ” الاستنزاف الذي يسعى البعض لنصبِه لمصر منذ سنوات.

رؤية استشرافية للأمن الإقليمي

في الختام، تتطلب المرحلة الراهنة مقاربة عقلانية لا تغلب العاطفة أو الضغوط الآنية على الحسابات الاستراتيجية طويلة المدى. إن استقرار المنطقة مرتبط باستقرار مصر، وأي استنزاف لقوة الجيش المصري في حروب جانبية سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف جبهة الدفاع الرئيسية. إن الدرس التاريخي المستخلص من الستينيات يجب أن يظل حاضراً كبوصلة توجه القرارات نحو حماية الأرواح وتنمية الموارد، وليس تبديدها في صراعات تعيد إنتاج مآسي الماضي.

أضف تعليق